صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
172
شرح أصول الكافي
نفي الرؤية عنه تعالى مطلقا ، إذ كل ما لا يدركه الوهم فلا يدركه البصر لا محالة ، بخلاف العكس ، ومن يدرك الوهم فهو يدرك البصر على وجه الأولى . الا ترى ان سلطان الوهم أقوى من الحس ومدركاته أكثر وميدان ادراكه افسح وابسط ؟ فان ادراك الحس مقصور على الامر المحصور في مادة معينة وفي جهة خاصة من الجهات ووضع خاص من الأوضاع بخلاف الوهم ، حيث يدرك كل ما يدركه الحواس باستعمالها ثم يدرك بنفسه أمورا أخرى خارجة عن المواد والجهات والأوضاع . الحديث الحادي عشر وهو الخامس والستون والمائتان « محمد بن أبي عبد اللّه عمن ذكره عن محمد بن عيسى عن داود بن القاسم عن أبي هاشم الجعفري قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ، فقال : يا أبا هاشم أوهام القلوب أدق من ابصار العيون ، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها ولا تدركها ببصرك ، وأوهام القلوب لا تدركه فكيف ابصار العيون ؟ » . الشرح قوله : أوهام القلوب أدق ، مراده عليه السلام من أوهام القلوب جميع الادراكات الباطنية ومباديها ، وبالجملة كل ما هو غير ادراكات الحواس الظاهرة ومحسوساتها وانما هي أدق ، لان مدركاتها الطف وموطنها ارفع من هذا العالم الطبيعي . وإياك ان تعتقد ان الذي أدركته القوى الباطنة كالخيال ، هو بعينه الذي ادركه الحس الظاهر ، وان زيدا الذي يدركه البصر في الخارج هو زيد الذي حضر في عالم الخيال ، أو تزعم أن عالم الخيال من اجزاء هذا العالم أو تظن كما هو المشهور عند الجمهور من الحكماء وغيرهم ان الصور التي تدركه القوة الخيالية هي مرتسمة في اجزاء الدماغ وبطونه وتجاويفه ؟ أو ان تلك القوة نفسها قائمة بجوهر الدماغ . وانما الخلق كلهم غافلون عن ذلك الا ما شاء اللّه . بل الحق كما هدانا اللّه سبيله وارشدنا دليله : ان القوة الخيالية وهي احدى جنود العقل جوهر مجرد عن هذا العالم ، عالم المواد الطبيعية والجهات الوضعية ، وكذا مدركاتها خارجة عن هذا العالم ، وليست الصور التي تدركها الخيال في الأرض ولا في السماء ولا فيما